تتجه كبرى شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز الأبحاث العالمية إلى تبنّي مقاربات بحثية غير تقليدية لفهم سلوك النماذج اللغوية الكبيرة، تقوم على التعامل معها بوصفها أنظمة شبيهة بالكائنات الحيّة، لا مجرد برامج حاسوبية قابلة للتفكيك الهندسي المباشر. هذا التحول، الذي أبرزه تقرير حديث نشره موقع MIT Technology Review، يعكس إدراكاً متزايداً بأن التعقيد البنيوي والوظيفي الذي بلغته هذه النماذج تجاوز حدود الفهم بالأدوات البرمجية الكلاسيكية.
فخلافاً للبرمجيات التقليدية التي تُبنى وفق تعليمات واضحة وخطوات متسلسلة يضعها المهندسون، يتم “تنمية” النماذج اللغوية الكبيرة عبر عمليات تدريب معقدة تعتمد على كميات هائلة من البيانات، حيث تتولى خوارزميات التعلم الآلي تحديد القيم الداخلية تلقائياً، دون تحكم مباشر أو فهم تفصيلي من البشر لكل ما يحدث داخل النموذج. هذا الواقع جعل تفسير سلوك النماذج، أو التنبؤ باستجاباتها في مواقف جديدة، مهمة أقرب إلى دراسة كائن حي منها إلى فحص آلة.
ويشبّه باحثو شركة أنثروبيك، المطورة لنموذج كلود Claude، عملية تدريب النماذج بزراعة شجرة. فالمهندس يستطيع اختيار نوع البذرة، والتربة، وكمية الماء، واتجاه النمو العام، لكنه لا يملك السيطرة الدقيقة على شكل كل غصن أو ورقة. وبالمثل، تنمو النماذج الذكية تحت تأثير “ضغوط بيئية رقمية” تتمثل في البيانات، ودوال الخسارة، وآليات المكافأة، لا وفق مخططات هندسية صارمة.
ضمن هذا الإطار، يعتمد الباحثون مقاربة تحليلية مستوحاة من علم الأحياء، تقوم على التمييز بين عنصرين أساسيين: المُعامِلات (Parameters) والتنشيطات (Activations). فالمُعامِلات تمثل القيم الرقمية الثابتة نسبياً التي تتشكل أثناء التدريب، ويمكن تشبيهها بالهيكل العظمي للكائن الحي، إذ تحدد قدراته العامة. أما التنشيطات فهي الحالات الديناميكية التي تتغير مع كل مدخل جديد، وتشبه إلى حد كبير النشاط العصبي أو الاستجابات الفسيولوجية للكائنات الحية. هذا الفهم الجديد قد يشكل أساساً لتطوير أدوات أكثر فعالية لفهم الذكاء الاصطناعي وضبطه مستقبلاً.
