اتهام شركات أمريكية باستخدام الذكاء الاصطناعي لتبرير تسريح الموظفين .

اتهام شركات أمريكية باستخدام الذكاء الاصطناعي لتبرير تسريح الموظفين .

خلال العام الماضي، لجأ عدد كبير من قادة الشركات في الولايات المتحدة إلى تبرير موجات تسريح الموظفين بالقول إن الذكاء الاصطناعي جعل كثيرًا من الوظائف غير ضرورية، وإن التقنيات الجديدة أصبحت قادرة على أداء المهام التي كان يقوم بها البشر. إلا أن عددًا من الاقتصاديين والمحللين في قطاع التكنولوجيا أبدوا تشككهم في هذه التبريرات، معتبرين أن الأسباب الحقيقية خلف تقليص القوى العاملة تعود إلى عوامل أخرى مثل تأثير الرسوم الجمركية، والإفراط في التوظيف خلال فترة جائحة كورونا، إضافة إلى سعي الشركات لزيادة أرباحها.

ويصف بعض الخبراء هذه الظاهرة بما يسمى “غسل الذكاء الاصطناعي”، أي استخدامه كذريعة دعائية لتبرير قرارات إدارية صعبة. ويوضح فابيان ستيفاني، الباحث في معهد أكسفورد للإنترنت، أن الرؤساء التنفيذيين يستطيعون الادعاء بأنهم يتبنون أحدث التقنيات ويحولون شركاتهم إلى كيانات أكثر تطورًا، وبالتالي يبررون الاستغناء عن الموظفين بحجة مواكبة العصر الرقمي.

ووفق تقرير صادر في ديسمبر عن شركة الاستشارات Challenger, Gray & Christmas، فقد تم الاستشهاد بالذكاء الاصطناعي كسبب مباشر لأكثر من 54 ألف حالة تسريح في عام 2025 وحده. وخلال شهر يناير الماضي، قامت شركة أمازون بتسريح نحو 16 ألف موظف بعد أن كانت قد قلصت 14 ألف وظيفة أخرى في أكتوبر، حيث أوضحت بيث غاليتي، نائبة رئيس الشركة، أن الذكاء الاصطناعي هو أكثر تقنية تحويلية منذ ظهور الإنترنت، وأنه يفرض على الشركات أن تصبح أكثر كفاءة وأقل اعتمادًا على الأيدي العاملة.

كما أشار إنريكي لوريس، الرئيس التنفيذي لشركة هيوليت باكارد، إلى أن شركته تعتزم استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين الإنتاجية ورضا العملاء، ما قد يؤدي إلى الاستغناء عن نحو ستة آلاف موظف خلال السنوات المقبلة. وفي السياق ذاته، أعلن لويس فون آهن، الرئيس التنفيذي لتطبيق تعليم اللغات “دوولينغو”، أن الشركة ستتوقف تدريجيًا عن الاعتماد على المتعاقدين للقيام بمهام يمكن للذكاء الاصطناعي تنفيذها.

مع ذلك، يؤكد تقرير صادر عن شركة الأبحاث Forrester أن الدافع الحقيقي وراء معظم عمليات التسريح هو مالي بالدرجة الأولى، وأن نسبة الوظائف التي يمكن أتمتتها بالكامل بحلول عام 2030 لا تتجاوز ستة بالمئة فقط. ويرى جيه بي غاوندر، المحلل الرئيسي في الشركة، أن العديد من المديرين التنفيذيين يبالغون في تقدير قدرات الذكاء الاصطناعي الحالية، ويحاولون استبدال الموظفين بأنظمة غير ناضجة قد تحتاج إلى سنوات حتى تصبح قادرة فعليًا على أداء العمل المطلوب.

وتشير الخبيرة الاقتصادية مارثا غيمبل من جامعة ييل إلى أن تحميل الذكاء الاصطناعي مسؤولية عمليات التسريح يبدو غير منطقي، خاصة أن هذه التقنية ما زالت حديثة نسبيًا ولم تمر سوى ثلاث سنوات على انتشار أدوات مثل “تشات جي بي تي”. وتوضح أن تبني أي تكنولوجيا جديدة لا يؤدي عادة إلى تغييرات فورية في سوق العمل، وأن التكيف معها يحتاج إلى وقت طويل.

ويرى محللون آخرون أن بعض الشركات تفضّل إرجاع قراراتها إلى الذكاء الاصطناعي بدل الاعتراف بتأثير سياسات اقتصادية مثل الرسوم الجمركية أو أخطاء التوظيف خلال فترة الجائحة. فالإشارة إلى الذكاء الاصطناعي تبدو أقل حساسية سياسيًا، وتجنب الشركات الدخول في صدامات مع الإدارة الأمريكية أو الرأي العام.

ومع ذلك، يعترف الخبراء بأن هناك حالات محدودة يكون فيها الذكاء الاصطناعي بالفعل سببًا منطقيًا لتقليص الوظائف، خصوصًا في مجالات مثل خدمة العملاء والدعم الفني عبر الإنترنت. فعلى سبيل المثال، صرّح مارك بينيوف، الرئيس التنفيذي لشركة Salesforce، بأنه خفّض عدد موظفي خدمة العملاء من تسعة آلاف إلى خمسة آلاف بعد الاعتماد على وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على تنفيذ معظم المهام.

لكن مارثا غيمبل تحذر من الاعتماد الكامل على تصريحات الرؤساء التنفيذيين لفهم تأثير التكنولوجيا على سوق العمل، مشيرة إلى أن لديهم حوافز إعلامية ومالية تدفعهم أحيانًا إلى تقديم روايات مبسطة أو مضللة. وقد ظهر هذا التناقض بوضوح عندما تراجع آندي جاسي، الرئيس التنفيذي لأمازون، عن تصريح سابق ربط فيه التسريحات بالذكاء الاصطناعي، ليؤكد لاحقًا أن القرار كان مرتبطًا بثقافة العمل وليس بالتقنية.

كما أن إحدى الموظفات السابقات في أمازون، التي كانت تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل مكثف في عملها، أكدت أنها لا تعتقد أن التقنية هي السبب الحقيقي وراء تسريحها، بل إن الهدف كان تقليل تكلفة العمالة واستبدالها بموظفين أقل أجرًا. وتوضح تجربتها أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أداة مساعدة، لكنه لا يزال بعيدًا عن أن يكون بديلاً كاملاً عن الخبرات البشرية.

وبينما يستمر الجدل حول الدور الحقيقي للذكاء الاصطناعي في تغيير سوق العمل، يجمع الخبراء على أن تأثيره الفعلي ما زال محدودًا مقارنة بالعوامل الاقتصادية التقليدية، وأن استخدامه كحجة جاهزة لتبرير تسريح الموظفين يعكس في كثير من الأحيان استراتيجية علاقات عامة أكثر مما يعكس واقعًا تقنيًا ملموسًا.

شارك هذا المقال